ابن عجيبة
447
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ؛ اليهود وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ؛ كفار مكة ، أَذىً كَثِيراً كقولهم : إن اللّه فقير ، وهجاء الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، والطعن في الدين ، وإغراء الكفرة على المسلمين ، أو غير ذلك من الأذى . أعلمهم بذلك قبل وقوعه ، ليتأهبوا للصبر والاحتمال ، حتى لا يروعهم نزولها حين الإنزال . وَإِنْ تَصْبِرُوا على ذلك ، وَتَتَّقُوا اللّه فيما أمركم به ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي : من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها ، أو مما عزم اللّه على فعلها ، وأوجبه على عباده . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل من دخل في طريق الخصوص بالصدق والعزم على الوصول ، لا بد أن يبتلى ويختبر في ماله ونفسه ، ليظهر صدقه في طلبه ، ولا بد أن يسمع من الناس أذى كثيرا ، فإن صبر ظفر ، وإن رجع خسر ، وهذه سنة اللّه في عباده : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ، قال الورتجبي : ( لتبلون في أموالكم ) ؛ بجمعها ومنعها والتقصير في حقوق اللّه فيها ، ( وأنفسكم ) ؛ باتباع شهواتها ، وترك رياضتها ، وملازمتها أسباب الدنيا ، وخلوها من النظر في أمر الميعاد ، وقيل : ( لتبلون في أموالكم ) ؛ بالاشتغال بها أخذا وإعطاء . ه . ثم عاتب الحقّ تعالى اليهود ، ووبّخهم على كتمان الحق وإظهار الباطل ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 187 ] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ( 187 ) قلت : الضمير في ( نبذوه ) : يعود على الكتاب ، أو الميثاق . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم اليهود ، أخذ عليهم العهد ليبينن للناس ما في كتابهم من صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا يكتمونه ، فنبذوا ذلك العهد أو الكتاب وَراءَ ظُهُورِهِمْ ؛ فكتموا صفته - عليه الصلاة والسلام - خوفا من زوال رئاستهم ، وَاشْتَرَوْا بذلك العهد ، أي : استبدلوا به ثَمَناً قَلِيلًا من حطام الدنيا ، وما كانوا يأخذونه من سفلتهم ، فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ، وهي تجر ذيلها على من كتم علما سئل عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : « من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار » . وعن علي رضي اللّه عنه : ( ما أخذ اللّه على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا ) . وقال محمد بن كعب : ( لا يحل للعالم أن يسكت على علمه ، ولا الجاهل أن يسكت على جهله ) .